ابن الجوزي

234

زاد المسير في علم التفسير

المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ( 32 ) قوله تعالى : ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) هذا إخبار عن قدرته وسعة ملكه ، وهو كلام معترض بين الآية الأولى وبين قوله : ( ليجزي الذين أساؤوا ) لأن اللام في " ليجزي " متعلقة بمعنى الآية الأولى ، لأنه إذا كان أعلم بهما . جازى كلا بما يستحقه ، وهذه لام العاقبة ، وذلك أن علمه بالفريقين أدى إلى جزائهم باستحقاقهم ، وإنما يقدر على مجازاة الفريقين إذا كان واسع الملك ، فذلك أخبر به في قوله : ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) . قال المفسرون : و " أساؤوا " بمعنى أشركوا ، و " أحسنوا " بمعنى وحدوا . والحسنى : الجنة . والكبائر مذكورة في سورة النساء . وقيل : كبائر الإثم . كل ذنب ختم بالنار ، والفواحش كل ذنب فيه الحد . وقرأ حمزة ، والكسائي ، والمفضل ، وخلف : " يجتنبون كبير الإثم " واللمم في كلام العرب : المقاربة للشئ . وفي المراد به هاهنا ستة أقوال : أحدها : ما ألموا به من الإثم والفواحش في الجاهلية ، فإنه يغفر في الإسلام ، قاله زيد بن ثابت . والثاني : أن يلم بالذنب مرة ثم يتوب ولا يعود ، قاله ابن عباس ، والحسن ، والسدي . والثالث : أنه صغار الذنوب ، كالنظرة والقبلة وما كان دون الزنا ، قاله ابن مسعود ، وأبو هريرة ، والشعبي ، ومسروق ، ويؤيد هذا حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، فزنا العينين النظر ، وزنا اللسان النطق ، والنفس تشتهي وتتمنى ، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج ، فإن تقدم بفرجه كان الزنا ، وإلا فهو اللمم . والرابع : أنه ما يهم به الإنسان ، قاله محمد ابن الحنفية . والخامس : أنه ألم بالقلب ، أي : خطر ، قاله سعيد بن المسيب . والسادس : أنه النظر من غير تعمد ، قاله الحسين بن الفضل . فعلى القولين الأولين يكون الاستثناء من الجنس ، وعلى باقي الأقوال ليس من الجنس . . قوله تعالى : ( إن ربك واسع المغفرة ) قال ابن عباس : لمن فعل ذلك ثم تاب . وهاهنا تم الكلام . ثم قال : ( هو أعلم بكم ) يعني قبل خلقكم ( إذ أنشأكم من الأرض ) يعني آدم عليه السلام ( وإذ أنتم أجنة ) جمع جنين ، والمعنى أنه علم ما تفعلون وإلى ماذا تصيرون ، ( فلا تزكوا